أحمد بن محمود السيواسي

220

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

حال من الفاعل ( وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) [ 117 ] أي موحدون مطيعون ، والجملة في محل النصب على الحال من المفعول ، واللام في « لِيُهْلِكَ » لتأكيد النفي الداخل على « كان » ، يعني استحال في الحكمة أن يهلك اللّه القرى ظالما لها وهم مصلحون في أعمالهم ، ولكنه يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات ، وقيل : معناه أنه لا يهلكهم بكفرهم وأهلها عادلون فيما بينهم ولا يظلم بعضهم بعضا ، وإنما يهلكهم إذا تظالموا « 1 » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 118 ] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) ( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ) مشية قسر وإلجاء ( لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ) أي لخلق كلهم مكرمين بدين واحد ، وهو دين الإسلام بالاضطرار ولكنه علم أن بعضهم ليسوا بأهل لذلك فلم يضطرهم إلى الاتفاق على دين الحق ( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) [ 118 ] على أديان شتى من نصراني ويهودي ومجوسي ومشرك ومسلم ، لأن اللّه تعالى مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف ، فاختار بعضهم الباطل وبعضهم الحق فاختلفوا . [ سورة هود ( 11 ) : آية 119 ] إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 119 ) ( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) أي إلا ناسا هداهم اللّه ولطف بهم بتأييده فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه ( وَلِذلِكَ ) أي وللاختلاف « 2 » الذي ينشأ من تمكين الاختيار ( خَلَقَهُمْ ) ليثيب مختار الحق ويعاقب مختار الباطل فيكون فريق في الجنة وفريق في السعير ، وقيل معناه : « وللرحمة خلقهم » « 3 » ، يعني للإسلام والعبادة التي هي سبب الرحمة ، قال تعالى « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » « 4 » ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ) أي سبق حكمه في علمه ووجب للمختلفين في دينه بكفرهم وهو ( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) [ 119 ] لعلمه بكثرة من يختار الباطل ويترك الحق . [ سورة هود ( 11 ) : آية 120 ] وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 120 ) ( وَكُلًّا ) أي كل نبأ ، فالتنوين عوض من المضاف إليه ( نَقُصُّ عَلَيْكَ ) أي نبين لك ( مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ) أي من أخبارهم وأخبار أممهم ، وهو بيان لكل ( ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ) أي الذي نقوي به قلبك من الاضطرار ، وهو بدل من « كلا » ، يعني نحن نقص عليك كل ما تحتاج إليه من أخبار الأنبياء وأممهم مما نثبت به قلبك لنزيدك يقينا وطمأنينة ، لأن تكاثر الشواهد والأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم ولو ذكرت مكررة ، لأن النبي عليه السّلام إذا سمعها كان في ذلك تقوية في قلبه على الصبر على أذى قومه ( وَجاءَكَ فِي هذِهِ ) أي في سورة هود أو في هذه الأنباء المقتصة ( الْحَقُّ ) أي ما هو الحق من الأحكام والعلوم المتعلقة بالنبوة فاعمل به ومن تاب معك وإنما خص هذه السورة تشريفا لها وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور ( وَمَوْعِظَةٌ ) أي وجاءك تأدبة ( وَذِكْرى ) أي وتذكرة وعبرة ( لِلْمُؤْمِنِينَ ) [ 120 ] أي الموحدين المطيعين للّه ورسوله . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 121 إلى 122 ] وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ ( 121 ) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ( 122 ) ثم قال تهديدا لكفار مكة ( وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) باللّه ورسوله ( اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ) أي على جهتكم وقوتكم التي أنتم عليها في أمرنا ( إِنَّا عامِلُونَ ) [ 121 ] في أمركم ( وَانْتَظِرُوا ) بنا الدوائر ( إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) [ 122 ] أن يحل بكم العذاب كما حل بأشباهكم .

--> ( 1 ) لعله اختصره من البغوي ، 3 / 349 - 350 . ( 2 ) وللاختلاف ، ب م : وللاختيار ، س . ( 3 ) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك ، انظر البغوي ، 3 / 350 . ( 4 ) الذاريات ( 51 ) ، 56 .